الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

500

مناهل العرفان في علوم القرآن

جميع مؤلفيها ، ولا بطريقة كل مؤلف فيها . غير أنا نستطيع أن نجمل القول في طرق المفسرين بعد العصر الأول فنقول : بعد عصر الأولين الذين ألفوا في التفسير بالمأثور ، والتزموا ذكر السند بجملته ، جاء قوم صنفوا في التفسير ؛ واختصروا الأسانيد ، ولم ينسبوا الأقوال لقائليها . فالتبس بذلك الصحيح وغيره . وصار الناظر في تلك الكتب يظنها كلها صحيحة . بينما هي مقعمة بالقصص وبالإسرائيليات على وجه لا تمييز فيه كأنها كلها حقائق . ومن هنا استهدفت رواياتهم للتجريح والطعن . ولولا ما يقوم به المحققون في كل عصر من إحقاق الحق ودحض الباطل ، لانطمست المعالم ، واختلط الحابل بالنابل ، ولكان ذلك مثار مطاعن توجه بلا حساب إلى الإسلام والمسلمين . فقد ذكروا في قصص الأنبياء ، وفي بدء الخليقة ، والزلازل ، ويأجوج ومأجوج ، وبرودة الماء الذي في الأبارز من الصيف ، وحرارته في الشتاء . ذكروا في ذلك كله ما يندى له الجبين خجلا ، وما لا يتفق والحقائق العلمية أبدا . ويا ليتهم نبهوا على وضعه ! لو أنهم فعلوا لكان الأمر هينا . ولكنهم لم يذكروا السند كما ذكر الأولون ليستطيع المطلع عليه نقده بالرجوع إلى كتب الجرح والتعديل . ثم لم يكلفوا أنفسهم الحكم على السند بعد محاكمته إلى كتب العدل والتجريح . « وتلك ثالثة الأثافى » . وقد عنى بعض المفسرين بأن يسرد شتات الأقوال ، حتى إنه ذكر في تفسير قوله سبحانه : « غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ » نحو عشرة أقوال ، مع أن الوارد الصحيح تفسير المغضوب عليهم باليهود ، وتفسير الضالين بالنصارى . ولكن الولوع بكثرة النقول ، نأى بهم عن الاقتصار على التفسير المقبول . وكذلك نلاحظ أن كل بارع في فن يقتصر غالبا في تفسيره على الفن الذي برع فيه . فالمبرّز في العلوم العقلية كالفخر الرازي ، أغرم باستعراض أقوال الحكماء والفلاسفة وشبههم والرد عليها في تفسيره . والمبرز في الفقه كالقرطبي ، أولع بتقرير الأدلة للفروع الفقهية والرد على المخالفين . والمبرز في النحو كالزجاج والواحدي في البسيط وأبى حيان في البحر ، يهتم أعظم الاهتمام بالإعراب ووجوهه ، ونقل قواعد النحو وفروعها .